“إن الخلاف بيننا يقوم على أساس العتب لا على أساس الخصومة، كما أن العتب بين الأشقاء مجاله واسع، يقوم على العقلانية والوعي وإزالة أي التباس قد يشوب العلاقات” كلمات توزن بالذهب تلك التي قالها خادم الحرمين الشريفين ضمن كلمته في لقائه بالوفد الشعبي المصري الذي جاء للرياض لإعادة العلاقات السعودية المصرية لطبيعتها قبل واقعة الجيزاوي.

إن المتعمق في كلمات خادم الحرمين الشريفين – يحفظه الله – يجد أنها رسالة عروبية رفيعة المستوى موجهة إلى كل فرد من أفراد الشعبين الشقيقين، تعكس قوة نسيج الوحدة السعودية المصرية من جهة، ومن جهة أخرى هي درس ثقافي نوعي في العلاقات الدولية موجه إلى المجتمع الدولي بأسره، مفاده أنَّ حصن العلاقات السعودية المصرية هو أعلى من مد بصر الحاقدين والمغرضين، ومن هذا المنطلق كان المدخل إلى التحاور هو مدخل العتاب، فالعتاب هو أرقى حوار بين المحبين والأصدقاء والأشقاء، والعلاقات الدولية التي تقوم على العتاب تدوم وتتصل، أما العلاقات التي تقوم على الحساب وتصيُّد الأخطاء واللوم والتوبيخ والصدام تزول وتنقطع، ذلك أن العتاب يحيي العلاقات والحب بين الشعوب، ويبقي مساحة واسعة من الاتفاق مهما كانت أسباب الخلاف. لاسيما وأن تلك الكلمات المؤثرة قد نزلت برداً وسلاماً على قلوب الجميع؛ مصريين وسعوديين، وأعادت الدفء إلى عبق العلاقات التاريخية بين البلدين الشقيقين، بل إن المنصفين والمحبين للبلدين من أبناء البلدان الأخرى مثل لبنان وتونس وغيرهما من الدول الشقيقة قد تأثرت مشاعرهم بهذا العتاب الراقي بين المملكة ومصر، وأعلنوا فرحهم بعودة السفير السعودي للقاهرة.

بيد أن شواهد حرص خادم الحرمين الشريفين منذ البداية على أن تظل إدارة هذه الأزمة سلمية بحتة ومبادرات الحرص على عدم التصعيد مع مصر واضحة وضوح الشمس، ويتضح ذلك جلياً في أن تصرفه – يحفظه الله – كان هو استدعاء السفير للتشاور وليس سحب السفير، وهو ما يُبقي في الآفاق باباً مفتوحاً لعودة الود والصفاء بين البلدين.

إن الاختبار الصعب الذي مرت به العلاقات السعودية المصرية خلال الأيام الماضية أكَّد على عدة حقائق يجب التعمق في حيثياتها بحثاً وتحليلاً، ومن أهم هذه الحقائق أن كبار المسؤولين والمثقفين وممثلي الشعب في دول بوزن المملكة ومصر لا يجب أن يجنحون في خلافاتهم إلى الخصومة والتصعيد والتوبيخ، ولكن يجب أن يستخدموا لغة العتاب والتركيز على ما يجمع الشعوب وليس على ما يفرقها. كما أن الدولة الحريصة على الإبقاء على علاقاتها قوية مع شركائها السياسيين والاقتصاديين تسارع لكبح جماح أي صدع قد يطرأ على هذه العلاقات دون إبطاء، لأن الإبطاء يعطي الفرصة لأصابع أعداء البلدين للبعث بهذه العلاقات ودفعها لطريق اللاعودة.

والملاحظ – والحمد لله – أن المملكة بحكمة قيادتها وحرصها على علاقاتها بمصر، ومصر بطيبة شعبها وعراقته وحبه لأرض الحرمين قد نجحا في إدارة هذه الأزمة العابرة والوصول بها لبر الأمان وإعادتها لسابق عهدها، وقطع الطريق على المبطلين ومريدي الفتن الذين ينتشون عن أول نبأٍ تحمله الصحافة عن اختلافٍ أو سوء فهم لأي موضوع قد يؤخذ من أرباب هذه الفئة ذريعة للوقيعة بين البلدين.

إن هذا الاختبار قد كشف عن حقيقة حب المملكة ملكاً وشعباً لمصر الكنانة، وحرص المملكة على استقرارها وتقدمها وبقائها زخراً للأمة العربية والإسلامية، ويكفي هنا الإشارة إلى الكلمة المؤثرة لسفير المملكة في القاهرة ” إن المصريين لا يعرفون مقدار حبنا لهم”، وهي كلمة هزت مشاعر المصريين لأنها تأتي في سياق العتاب أيضاً، وجعلت الشارع المصري يعبر عن حبه للمملكة حكومة وشعباً بأساليب مختلفة، حيث كشف هذا الاختبار أيضاً عن حب المصريين للمملكة، وأن الملك عبدالله في قلوبهم، وأنهم لا يقبلون باهتزاز هذه العلاقات رافعين شعار “إلا السعودية”.

ورغم عبور العلاقات بين البلدين هذا الاختبار الصعب بنجاح إلا أنها ما زالت تحتاج للتحصين ضد أي هزات أخرى، وحتى لا تترك رهينة لعبث دولة معادية أو شخص أو قلة من المتهورين والعابثين وغير الأسوياء ممن لهم مصلحة في إثارة البلبلة وإشاعة الفتن، أو تكون عرضة للتأثر بحادث فردي هنا أو هناك، ونعتقد أن تحصين هذه العلاقات يمكن أن يتم من خلال إرساء دعائم جديدة للعلاقات السياسية والاقتصادية السعودية المصرية، والتأكيد على أنها علاقات قائمة على الاحترام والحب المتبادل، وأن كل طرف لديه ما يقدمه للآخر، وأن كل طرف هو سند وعمق استراتيجي للآخر، وأن ما يربط الشعبين أكبر من مصالح مادية صرفة، لأن هناك ما هو أقوى من ذلك، وهو ترابط الأرحام والصلات الروحانية والدينية والتاريخية والثقافية القوية التي تربط بين البلدين والشعبين. وأن يسارع البلدان بمد جسور جديدة لتحقيق الارتباط العضوي والمصيري بينهما، وفي مقدمة هذه المبادرات، الجسر الذي يربط بين البلدين فوق البحر الأحمر، وهو مشروع مخطط وجاهز للتنفيذ، والإسراع بتنفيذ مشروع الربط الكهربائي بين البلدين الذي سيتكلف حوالي 1.5 مليار دولار ويبدأ تشغيله عام 2015م، والبدء فوراً في وضع ضوابط لحماية الاستثمارات المشتركة والمتبادلة بين البلدين وتنميتها، وبالتوازي مع كل هذا فإن كلا الطرفين عليه أن يتصدى بحزم للإعلام المغرض الذي يؤجج المشاعر ويثير الفتنة بين الأشقاء، لأن هناك قوى لا تريد الخير للمملكة ولا لمصر ولن تكف عن محاولاتها للوقيعة بين البلدين.

وفي الختام نود تذكير الإعلام السعودي والمصري بنصيحة خادم الحرمين التي قال فيها ” وكلى أمل أن يقف الإعلام في البلدين موقفاً كريماً ولا يقل إلا خيراً أو ليصمت”.

  • رئيس اللجنة الوطنية للتعليم العالمي والدولي بمجلس الغرف السعودية